رسوم ترامب 15% بين قرار المحكمة العليا والمادة 122: تداعيات محتملة على الأسهم والدولار وسوق الكريبتو
في تصعيد جديد يؤكد تمسكه بنهجه التجاري المتشدد، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم السبت، رفع الرسوم الجمركية على الواردات إلى الولايات المتحدة لتصل إلى 15 في المائة. وجاء هذا القرار بعد يوم واحد فقط من تلقي إدارته حكماً من المحكمة العليا قضى بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظام الرسوم الجمركية السابق، الذي كان يهدف إلى فرض تعريفات شاملة على عدد من الدول، في مقدمتها الصين والاتحاد الأوروبي وشركاء تجاريون رئيسيون لواشنطن. وكان ترامب قد دافع عن تلك السياسات باعتبارها وسيلة لتقليص العجز التجاري، وحماية الصناعات الأميركية، وتعزيز فرص العمل المحلية، إذ شملت الرسوم قطاعات حيوية مثل الصلب والألمنيوم والسلع الصناعية والتكنولوجية، ما أدى إلى تصاعد التوترات التجارية عالمياً واندلاع ما عُرف بالحرب التجارية مع الصين.
وعقب قرار المحكمة بإلغاء الرسوم، كتب ترامب على منصته «تروث سوشيال» أنه بعد مراجعة شاملة للحكم، الذي وصفه بأنه «معادٍ جداً لأميركا»، قرر رفع رسوم الاستيراد «إلى الحد الأقصى المسموح به قانوناً، وهو 15 في المائة». وكان قد أعلن في البداية فرض رسم بنسبة 10 في المائة فور صدور الحكم، قبل أن يضاعفه سريعاً إلى 15 في المائة، مستنداً هذه المرة إلى أساس قانوني مختلف عن «قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي رفضته المحكمة. إذ اعتمد في قراره الجديد على المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، التي تخوّل الرئيس اتخاذ إجراءات لمعالجة اختلالات كبيرة في ميزان المدفوعات وإعادة التوازن التجاري مع الشركاء الاقتصاديين، بما في ذلك فرض رسوم جمركية تصل إلى 15 في المائة، على أن يتطلب تمديدها لأكثر من 150 يوماً موافقة الكونغرس.
تأثير قرار ترامب علي الأسواق المالية :
سوق الأسهم :
على مستوى سوق الأسهم، يُظهر التاريخ أن رد الفعل قصير المدى على التصعيد الجمركي يكون غالبًا سريعًا وحادًا، مدفوعًا بعامل عدم اليقين أكثر من حجم الرسوم نفسه. ففي مارس 2018، وبعد الإعلان الأول عن فرض رسوم جمركية ضمن بداية الحرب التجارية، تراجع مؤشر S&P 500 بنحو 6% خلال فترة وجيزة، ومع تصاعد التوترات وتبادل الرسوم بين واشنطن وبكين، دخلت الأسواق في موجة هبوط أعمق خلال الربع الأخير من العام نفسه، حيث فقد المؤشر قرابة 20% من قمته السنوية، بينما خسر مؤشر ناسداك، الأكثر حساسية لقطاع التكنولوجيا والتجارة العالمية، نحو 23% بين أكتوبر وديسمبر 2018. هذا التراجع لم يكن سببه الرسوم كنسبة مئوية فقط، بل المخاوف من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتآكل هوامش أرباح الشركات متعددة الجنسيات، إضافة إلى تجميد خطط استثمارية كبرى بسبب ضبابية المشهد التجاري. في حال تطبيق رسوم بنسبة 15% حالياً، ورغم أنها أقل من بعض مستويات التصعيد السابقة، إلا أنها قد ترفع تكاليف الاستيراد على الشركات الأميركية بنسبة تتراوح بين 5% و12% وفقاً لمدى اعتماد كل قطاع على المكونات الأجنبية، وهو ما قد يضغط مباشرة على أرباح شركات التكنولوجيا والصناعة وسلاسل التجزئة الكبرى. كما يُتوقع أن ترتفع حدة التقلبات اليومية في الأسواق، مع إمكانية تحركات تتجاوز 2% صعودًا أو هبوطًا في جلسة واحدة خلال فترات صدور الأخبار أو التصريحات السياسية، خاصة إذا ارتبطت الرسوم بإجراءات انتقامية من شركاء تجاريين، ما يعيد سيناريو الحساسية المفرطة الذي شهدته الأسواق في 2018.
لكن حاليا الاقتصاد الأميركي أكثر تنوعاً في سلاسل الإمداد مقارنة بتلك الفترة، ما يقلل من أثر الصدمة المباشرة. ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو مدة استمرار الرسوم؛ فإذا ظلت عند 15% ومؤقتة لمدة 150 يوماً فقط، فقد تتعامل معها الأسواق كأداة ضغط تفاوضية محدودة التأثير، ما يقلص احتمالات هبوط حاد. أما إذا تحولت إلى سياسة دائمة أو تبعتها إجراءات انتقامية من شركاء تجاريين، فقد يتسع الأثر ليشمل تباطؤاً في أرباح الشركات وارتفاعاً تدريجياً في التضخم.
سوق الكريبتو :
أما فيما يتعلق بسوق العملات الرقمية، فقد أظهر سلوكًا مختلفًا خلال فترة 2018–2019 مقارنة بالأسهم التقليدية. ففي عام 2018 كان البيتكوين يتحرك ضمن سوق هابطة حادة، إذ فقد نحو 70% من قيمته بعد انفجار فقاعة 2017، متراجعًا من قرابة 20 ألف دولار إلى ما دون 4 آلاف دولار، وكان هذا الانهيار مرتبطًا أساسًا بتصحيح مفرط في سوق الكريبتو أكثر من ارتباطه المباشر بالحرب التجارية (وهدا هو ما يشهده حاليا سوق الكريبتو, حيث نزل سعر البيتكوين من 120 ألف دولار إلي قرابة 60 ألف دولار في مدة قياسية). لكن في عام 2019، ومع تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين وتراجع قيمة اليوان الصيني، تغيّر المشهد؛ إذ ارتفع البيتكوين من حوالي 4,000 دولار في بداية العام إلى نحو 13,000 دولار في منتصفه، مسجلًا مكاسب تجاوزت 200%، في وقت كانت فيه المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي تتزايد. هذا السلوك يشير إلى أن البيتكوين قد يستفيد في البيئات التي تضعف فيها الثقة بالعملات التقليدية أو تزداد فيها المخاطر الجيوسياسية، حيث ينظر إليه بعض المستثمرين كأصل تحوّط بديل خارج المنظومة المالية التقليدية. في حال فرض رسوم 15% حالياً، قد تتجه سيولة استثمارية نحو البيتكوين إذا أدت الخطوة إلى اضطراب الأسواق أو إضعاف الدولار، خاصة في ظل بحث المستثمرين عن أدوات غير مرتبطة مباشرة بالسياسات التجارية. في المقابل، إذا ساهمت الرسوم في رفع معدلات التضخم وأجبرت الاحتياطي الفيدرالي على الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول، فقد تواجه العملات الرقمية ضغوطًا هبوطية، لأن بيئة الفائدة المرتفعة تقلل جاذبية الأصول عالية المخاطر وتدفع رؤوس الأموال نحو السندات أو الدولار، ما يجعل أداء الكريبتو مرتبطًا بشكل وثيق بالتوازن بين المخاطر الجيوسياسية والسياسة النقدية.
الدولار :
عادةً، فرض رسوم جمركية أعلى يدعم الدولار على المدى القصير لسببين رئيسيين: أولًا، انخفاض الواردات يعني تراجع الطلب على العملات الأجنبية، ما يقلل المعروض من الدولار في الخارج ويدعمه نسبيًا. ثانيًا، في أوقات التوتر التجاري تميل رؤوس الأموال العالمية إلى الاتجاه نحو الأصول الأميركية باعتبارها ملاذًا آمنًا، ما يعزز الطلب على الدولار. خلال تصاعد الحرب التجارية في 2018، ارتفع مؤشر الدولار (DXY) بنحو 4–5% بين أبريل وأغسطس، مستفيدًا من تدفقات الملاذ الآمن ومن تفوق النمو الأميركي آنذاك مقارنة ببقية الاقتصادات.
لكن على المدى المتوسط، الصورة تصبح أكثر تعقيدًا. إذا أدت الرسوم بنسبة 15% إلى ارتفاع التضخم – حتى ولو بحدود 0.2 إلى 0.4 نقطة مئوية – فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يعزز الدولار أكثر عبر اتساع فجوة العوائد بين الولايات المتحدة وبقية الدول. في المقابل، إذا تسببت الرسوم في تباطؤ النمو الاقتصادي أو أثارت إجراءات انتقامية أضعفت الصادرات الأميركية، فقد تتراجع الثقة في آفاق الاقتصاد، وهو ما قد يضغط على الدولار لاحقًا.
بمعنى آخر، التأثير الفوري لرسوم 15% يميل إلى أن يكون إيجابيًا أو داعمًا للدولار على المدى القصير بسبب عامل الملاذ الآمن وتراجع الواردات، لكن استمرارها لفترة طويلة أو تحولها إلى نزاع تجاري واسع قد يخلق ضغوطًا معاكسة إذا انعكست سلبًا على النمو والاستثمار.
